السيد كمال الحيدري

56

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

وبعبارة أخرى : المقتضى هو أن يصدر الفعل عن الفاعل الفلاني اختياراً ، فلو انقلب الفعل من جهة تعلّق هذا القضاء به غير اختيارىّ ، ناقض القضاء نفسه » « 1 » . أمّا صدر الدين الشيرازي ( ت : 1050 ه ) فقد تناول النقطة ذاتها في « الأسفار » عندما مرّ على إشكال أنّ العلم يؤدّى إلى الجبر ، وأوضح جوابه عليه بالصيغة التالية : « فالحقّ في الجواب أن يقال : إنّ علمه وإن كان سبباً مقتضياً لوجود الفعل من العبد ، لكنّه إنّما اقتضى وجوده وصدوره المسبوق بقدرة العبد واختياره ، لكونها من جملة أسباب الفعل وعلله ، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار بل يحقّقه » « 2 » . فهذا النصّ يفيد المعنى الذي ذكرناه ، فإذا علم الله سبحانه صدور الفعل من العبد يستحيل أن لا يقع الفعل ، بيدَ أنّ الله سبحانه عَلِمَهُ على صيغة أنّ العبد قادر مختار في إيجاد الفعل ، لأنّه سبحانه أراد من الأزل أن يخلق مخلوقاً يملك حريّة الاختيار في الفعل والترك ، وبذلك تصير هذه القدرة والاختيار من جملة أسباب الفعل وعلله ، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار . فإذا صار الفعل ضروريّاً ، عَلِم الله أنّ العبد سوف يختاره . وهذا لا يعارض الاختيار . بعبارة أوضح : ما دام الله سبحانه أراد من الأزل أن يوجد مخلوقاً مختاراً له حرية الفعل والترك ، فإنّ علم الله بفعله لا يبطل اختيار الإنسان في الفعل والترك ، لأنّ العلم الإلهى تعلّق بصدور الفعل حينما أراد الإنسان الفعل وعلم الله منه ذلك أزلًا ، وتعلّق بالترك حينما أراد الإنسان الترك وعلم الله منه ذلك أزلًا ، ومن ثمّ لا موضع للجبر في الفعل والترك رغم علم الله بهما .

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، ج 6 ، ص 318 ، الحاشية رقم ( 2 ) . ( 2 ) المصدر السابق ، ج 6 ، ص 385 .